السيد هاشم البحراني

24

حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار ( ع )

مثل رجل ملّك عبدا مملوكا لا يملك إلّا نفسه ولا يملك عرضا « 1 » من عروض الدنيا ، ويعلم مولاه ذلك منه ، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملّكه ثمن ما يأتيه به ، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلّا بما يرضى به من الثمن ، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور ، فأوعد عبده إن لم يأته الحاجة أن يعاقبه . فلمّا صار العبد إلى السوق ، وحاول اخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها ، وجد عليها مانعا يمنعه منها إلّا بالثمن ولا يملك العبد ثمنها فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه لذلك وعاقبه على ذلك ، فإنّه كان ظالما متعدّيا مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته ، وإن لم يعاقبه كذّب نفسه ، أليس يجب أن لا يعاقبه ؟ والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة تعالى اللّه عمّا يقول المجبّرة علوّا كبيرا . ثم قال العالم عليه السلام بعد كلام طويل : فأمّا التفويض الذي أبطله الصادق عليه السلام وخطّأ من دان به فهو قول القائل : إن اللّه تعالى فوّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم « 2 » ، وهذا الكلام دقيق لم يذهب إلى غوره ودقّته إلّا الائمّة المهديّة عليهم السلام من عترة آل الرسول صلوات اللّه عليه وعليهم ، فإنّهم قالوا : لو فوّض اللّه إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا به من الثواب ، ولم يكن عليهم فيما اجترموا من العقاب إذا كان الاهمال واقعا .

--> ( 1 ) العرض ( بفتح العين وسكون الراء ) : المتاع وكل شيء سوى الدراهم والدنانير . ( 2 ) أهمله : تركه ولم يستعمله عمدا أو نسيانا .